أبو البركات بن الأنباري

5

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

الجزء الأول مقدمة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسّلام على أشرف المرسلين ، الذي بعثه اللّه بالحنيفية الواضحة والدين القويم ، فهدى الناس من الضلالة وبصّرهم من العمى وأخرجهم من الظلمات إلى النور ، وعلى آله مصابيح الظلام وهداة الأنام ، وصحبه القادة المغاوير أولي الآراء الراجحة والحجج الواضحة والمنهاج المستقيم ، وعلى من سلك طريقه واقتفى أثره وتبع سنّته إلى يوم الدين . وأما بعد ؛ فإني منذ أكثر من خمسة عشر عاما كنت قد عنيت بتخريج كتاب « الإنصاف ، في مسائل الخلاف ، بين النحويين البصريين والكوفيين » الذي صنفه الإمام الحجة والعالم الثبت كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد ، الأنباري ، النحوي ، المولود في سنة 513 ، والمتوفى في سنة 577 من الهجرة ، بعد أن قرأت بعض مسائله لأبنائي من طلبة الدراسات العليا في كلية اللغة العربية إحدى كليات الجامع الأزهر ، وعلّقت عليه تعليقات ذات شأن ، ثم رأيت أن أذيع الكتاب مع شرحي عليه الذي أسميته « الانتصاف ، من الإنصاف » ليكون بين يدي قراء العربية « كتاب لطيف ، يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويّي البصرة والكوفة ، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة » « 1 » ، وكان أن قدّمت الكتاب للنّشر ، ولكن أزمة الورق في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقفت حائلا منيعا بين نشر الكتاب مع شرحي عليه ، وكنت بين اثنتين : إما أن أنشر الكتاب وحده وأترك شرحي الذي كابدت فيه ما لا يعلمه إلا اللّه من الجهد والعناء ، وإما أن أتركهما جميعا حتى يأذن اللّه بنشرهما معا ، وترددت كثيرا فيما عسى أن أختار من هاتين الخلتين ، وصحّ العزم آخر الأمر على أن أرضى بنشر كتاب « الإنصاف » غفلا مما كتبته عليه ؛ رغبة في أن يعرفه قراء العربية ويروا أنه من أفضل ما صنف علماؤنا في فنون العربية ، فيقبلوا عليه ويرتاحوا له . وظهر الكتاب كما

--> ( 1 ) من كلام مؤلف « الإنصاف » في وصف كتابه .